Showing posts with label ArtiCles. Show all posts
Showing posts with label ArtiCles. Show all posts

Wednesday, August 25, 2010

الوردة


   1165429627
لم يستطع مقاومة انقباض ما داهمه بمجرّد دخوله إلى مكتبه في الصباح. نظر حوله، تأفّف، ثمّ وقف أمام النافذة، تأمّل الازدحام وقوافل السيّارات، فزاد إحساسه بالانقباض، ودار بعينيه المتعبتين يتأمّل الشارع والأبنية المقابلة إلى أن وقع نظره على فناء دائرته، فلفتت انتباهه وردة حمراء... وبدا له أنّه يتخيّل، من أين جاءت؟ لم يلحظ ورداً في هذا الفناء من قبل، أو ربّما أنّ الورود هناك دائماً لكنّه لم يعد يملك القدرة على التأمّل، وأحسّ أنّه كبر... كبر كثيراً! ودون أن يفكّر، تناول ملفّاً كبيراً من خزانة قريبة، وقال لزملائه شيئاً بسرعة ففهموا منه أنّه مضطّر للمغادرة لبعض الوقت لأمر عاجل يتعلّق بالعمل، ثمّ نزل الأدراج بخفّة ليجد نفسه في الفناء أمامها... أمام الوردة، تطلّع حوله لوهلة، ثمّ وفي لحظة ما، وبسرعة خاطفة قطفها، وأخفاها داخل الملف، وهرع إلى الشارع ليلقي نفسه في زحام الصباح من جديد.
وصل إلى مكان عملها... امرأة لم يبادرها بأيّ شكل من الجنون منذ أن أحبّها... وتوجّه إلى مكتبها بخطوات واثقة وهيئة جادّة متسلّحاً بالملف الضخم الذي يوحي أنّه جاء لإتمام عمل مهم للغاية! وفوجئت به يدخل إليها، فذهلت ونظرت إلى زميلاتها بجزع وهي ترحّب به بكلمات مجاملة رسميّة. فوجد نفسه يقول أشياء عن العمل دون أن يفهم ماذا يقول، فيما كانت تتظاهر هي بالاستماع وهي تشعر بقلبها يتراقص كعصفور داخل صدرها. إلى أن همس لها بسرعة: جئتك بوردة، إنّها داخل الملف.
وشهقت، ولجمتها المفاجأة، ثمّ قالت بصوت خافت مضطرب: ضعها عندك تحت الأوراق على يسار المكتب...
وبحركة بوليسيّة انتقلت الوردة إلى حيث أُريد لها، ومكث هو قليلاً، ثمّ تأبّط الملف الكبير، ورسم الملامح الجادّة نفسها على وجهه وخرج!
ومضى النهار والوردة هناك تحت كومة الأوراق دون أن تجرُؤ هي على إخراجها، وهكذا إلى أن حان وقت الإنصراف، فتناولتها بسرعة وأخفتها داخل حقيبتها وخرجت.
كان يوماً حاراً، والأزمة كانت على أشدها، فوصلت إلى بيتها مرهقة لتلقي نفسها على أقرب مقعد. ولم تمض ثوان حتّى قفزت من مكانها فجأة، وهرعت نحو الحقيبة، فأخرجت الوردة بحرص شديد ووضعتها في كوب ماء ونقلتها إلى غرفتها.
مضى وقت ما، فأحسّت الوردة بانتعاش، وتطلّعت حولها فشعرت بألفة مع المكان، التقطت أنفاسها أخيراً، وبدأت تستعيد رحلتها منذ الصباح... فبدا كأنّها ضحكت قليلاً عليه وعليها معاً!
د. لانا مامكغ

خفقات


            6_34

في نظرة هذه المرأة شيء آخر قال لنفسه وهو يرمقها من بعيد، ثم مضى إلى شؤونه. ولما التقاها مرة أخرى قال: لصوتها إيقاع مريح، ولها أسلوب فريد في التعبير عما تريد... قال ذلك، ومضى لمتابعته انشغالاته وهو يقاوم اضطراباً ما في روحه!
ودون أن يشعر، بدأ اسمها يستوقفه، وقاوم فضولاً استبد به بقوة لمعرفة كل ما يتعلق بها، وهكذا إلى أن فرضت عليه ظروف عمله الاتصال بها في شأن رسمي بحت، فوجىء... احتار... ارتبك... وقضى ليلته مؤرقاً، ما الذي يحدث له؟ أرهقه السؤال، لماذا هي؟ لماذا هي تحديداً بعد كل تجاربه النسائية، لماذا تثير فيه كل هذا الارتباك؟ تقلّب في فراشه عدة مرات، نهض، أشعل سيجارة، تلهّى بقراءة كتاب، أشعل سيجارة أخرى، وأطفأها قبل انتهائها وهو يقول: تبّاً، ما الذي يحدث؟ هو لقاء عمل لا أكثر ولا أقل، ليس أنا من يتردد أمام امرأة مهما كانت، اللعنة، تماسك يا رجل، لن تفضحك عيناك، ولن يتهدّج صوتك، إنه الليل، يضخم المخاوف... والمشاعر... لن يحدث شيء، سأقول ما أريد وأمضي بكل قوة وجرأة ولا مبالاة، هكذا أنا. وهكذا عهدت نفسي... لم أعرف الضعف يوماً... ولن أعرفه!
وطلع الصباح أخيراً، فنهض متثاقلاً، ومضى لحلاقة ذقنه، وأثار غيظه أنه قضى في حلاقتها وقتاً أكثر من المعتاد، وأثار غيظه أكثر أنه وقف أمام خزانة ثيابه طويلاً وهو حائر فيما يرتدي... هل يختار قميصاً صيفياً بسيطاً... أم يرتدي بذلته الأنيقة الوحيدة... وأحس بميل للخيار الثاني، لكنه سرعان ما عدل حين تذكّر حرارة الجو... وشكل وجهه أمامها وهو محتقن بالارتباك والحرّ معاً!
وخرج أخيراً وهو يتحسّس شعره، كان من الأفضل لو حلقت البارحة، قال لنفسه، ثم تمتم: لا، هكذا أحسن، الرؤوس المحلوقة حديثاً تبدو مضحكة أحياناً... يجب أن أبدو طبيعياً، يجب أن أنجز المهمة بسرعة وألقي كل هذا الهراء وراء ظهري تماماً!.
ومضى ساهماً سارحاً حتى وصل، وفي اللحظة التي أزف فيها الموعد، وجد نفسه يكلّف أحد زملائه بالقيام بالمهمة متذرعاً بالصداع وبارتفاع حرارته... قد تكون الانفلونزا... إنه هذا التقلّب الفظيع في الجو، قال هذا بصوت حاول أن يشحنه بكل ما أوتي من ثقة... ثم ارتمى على مقعده وهو يشعر براحة عجيبة!
تنهّد بعمق وهو يدرك أخيراً أنه أمام حالة هو أضعف من أن يواجهها...
أمّا ما لم يعرفه فهو أنّ الزميل قضى المهمة وأنهاها مع زميلة أخرى لها، لأنها قدّمت اعتذاراً في اللحظة الأخيرة عن أداء المهمة بسبب الصداع وأعراض مفاجئة للانفلونزا

د.لانا مامكغ

Wednesday, July 28, 2010

اه اتذكرك ..

آه أتذكرك ..

أتذكرك بحنين متقشف ..

لقد تدحرجت الأيام كالكرة في ملعب الرياح ..

منذ تلك اللحظة السعيدة الحزينة ..

لحظة ودعتك وواعدتك كاذبة على اللقاء ..

وكنت أعرف أنني أهجرك ..

غادة السمان ..

أميرة في قصرك الثلجي ..

Sunday, March 28, 2010

لقد تغير طعم التفاح




زمان كانت أسماؤنا أحلى.

.. حين النساء أكثر أنوثة، ورائحة الباميا تتسرب من شبابيك البيوت، وساعة "الجوفيال" في يد الأب العجوز أغلى أجهزة البيت سعراً وأكثرها حداثة، وحبات المطر أكثر اكتنازاً بالماء.

زمان .. حين أخبار الثامنة أقلّ دماً، ومذاق الشمس في أفواهنا أطيب، وطريق "المصدار" أقل ازدحاماً بشاحنات الأثاث، وبنات المدارس يخبئن أنوثتهن في صفحات دفتر العلوم.

لما كانت غمزة "سميرة توفيق" أكثر مشاهد التلفزيون جرأة، و"مجلس النواب" حلماً يداعب اليسار المتشدد، وأجرة الباص قرشين، والصحف تنشر كل أسماء الناجحين بالتوجيهي.

عندما كان المزراب يخزّن ماء الشتاء في البراميل، وكُتّاب القصة ينشرون مجموعات مشتركة، وحلو العرس يوزع في كؤوس زجاجية هشّة تسمى "مطبقانيات"، والجارة تمدّ يدها فجرا من خلف الباب بكوب شاي ساخن للزبّال فيمسح عرقه ويستظلّ بالجدار!

زمان.. عندما كانت "الشونة الشمالية" آخر الدنيا، و"فكر واربح" أهم برامج المسابقات، ولم نكن نعرف بعد أن ثمة فاكهة تتطابق بالاسم مع منظف الأحذية "الكيوي"، وأننا يوماً ما سنخلع جهاز الهاتف من شروشه ونحمله في جيوبنا!!

كانت "القضامة المالحة" توصف علاجاً للمغص، والأولاد يقبّلون يد الجار صباح العيد، والبوط الصيني في مقدمة أحلام الطلبة المتفوقين!

كانت "أخبار الأسبوع" لصاحبها عبد الحفيظ محمد أهم الصحف وأجرأها على الإطلاق، و"ألمانيا" بلد الأحلام، وصورة المطربة صباح على ظهر المرآة اليدوية المعلقة على الحائط.

حين تصحو على صوت "مازن القبج" أو"سمرا عبد المجيد" وظهرا تسمع "كوثر النشاشيبي" ومساء تترقب "ابراهيم السمان"... والتلفزيون يغلق شاشته في موعد محدد مثل أي محل أو مطعم!

عندما "مدينة الأهلي للالعاب السياحية" في رأس العين هي وجهة الأثرياء، والسفر الى صويلح يحتاج التحضير قبل يومين، والجامعة الأردنية بلا شقيقات!

حين أقلام البك الأحمر هي الوسيلة الوحيدة للحب قبل اختراع الموبايلات، وعندما كانت المكتبات تبيع دفاتر خاصة للرسائل اوراقها مزوّقة بالورد،..أما الورد ذاته فكان يباع فقط في جبل عمان، الحي الأرستقراطي الباذخ في ذلك الزمان!!

حين جوازات السفر تكتب بخط اليد، والسفر الى الشام بالقطار، وقمصان "النص كم" للرجال تعتبرها العائلات المحافظة عيبا وتخدش الحياء!

كانت البيوت تكاد لا تخلو من فرن "ابو ذان وأبو حجر" الحديدي، والأمهات يعجنّ الطحين في الفجر ليخبزنه في الصباح، والأغنام تدق بأجراسها أن بائع الحليب صار في الحي، والجارة الأرملة تجلس من أول النهار لصق الجدار مهمومة ويدها على خدّها!

كان مسلسل "وين الغلط" لدريد ونهاد يجمع الناس مساء، ومباريات "محمد علي كلاي" تجمعهم في سهرات الثلاثاء، وكان "نبيل التلّي" أفضل لاعب هجوم في كرة القدم!

كانت الناس تهنئ أو تعزّي بكيس سكّر "أبو خط أحمر" وزن مئة كيلو غرام، والأمهات يحممّن الأولاد في اللجن، و"القرشلّة" يحملها الناس لزيارة المرضى!

كان "الانترنت" رجماً بالغيب لم يتوقعه أحذق العرّافين، ولو حدّثتَ أحدا يومها عن "العدسات اللاصقة" لاعتبرك مرتدّاً أو زنديقاً تستحق الرجم، أما "الماسنجر" فلو حملته للناس لصار لك شيعة وأتباع!!

حين مذاق الأيام أشهى، والبرد يجعل أكفّ التلاميذ حمراء ترتجف فيفركونها ببعضها، وعندما "زهير النوباني" في دور "مقبول العقدي" أعتى رمز للشر قبل أن يعرف الناس أن في الغيب رجلاً يدعى "جورج بوش"!

كانت لهجات الناس أحلى، وقلوبهم أكبر، وطموحاتهم بسيطة ومسكينة وساذجة!

الموظفون ينامون قبل العاشرة، والحزبيون يلتقون سراً محاطين بهالة من السحر والبطولة، والزوجة في يوم الجمعة تخبئ كبدة الدجاجة وقوانصها لتقليها للزوج دلالة على تدليله!

الشمس كانت أكثر صرامة في التعامل مع الصائمين، والثلج لم يكن يخلف موعده السنوي،

والنمل، حتى النمل، كان يبتهج حين تمرّين...

.... ....

كانت الحياة أكثر فقرا وبرداً وجوعاً، لكنها كانت دائما خضراء .

ابراهيم جابر ابراهيم

يا لرقمهم الغالي ذاك كيف مات - احلام مستغانمي





لعلّ بداية السنة فرصة لكي أقتني دفتراً هاتفيًّا جديداً، أنقل عليه ما نجا من الأسماء.. و ما صمد من الأرقام. يتناقص الأصدقاء عاماً بعد عام، بعضهم سقط من القطار، و آخرون سقطوا من القلب.ـ

لا وقت لي لأنتشل أحداً. لذا أحتفظ بدفتر هاتفي تعيد الأيام تشكيل أرقامه. لا أكترث لفوضاه، و لأرقام كتبتُ بعضها على عجل دون أسماء، كأنّني أعرف أصحابها. و ها أنا لا أدري أيّ اسم أضع عليها.ـ

قلّما أهاتف أحداً. عدا صديقات ثلاثة يتناوبن على شغل هاتفي ليل نهار.ـ
قبل خمس عشرة سنة قرّرت المغادرة إلى بيروت. عندما صباح عيد لم أجد أحداً أهاتفه. برغم إقامتي سبع عشرة سنة في باريس. فتحت يومها دفتر هاتفي و لم أجد عليه سوى أرقام أطباء الأطفال و هواتف الإدارات و الشغالات اللائي عملن عندي، فرحتُ أهاتفهن، و ما زلت في الأعياد أفضل مهاتفة بسطاء يصنع صوتي عيدهم، على قوم يعتقدون لأهميّتهم أن مهاتفتهم هي عيديّتي.
أتصفّح مفكّرة كأنّها مقبرة لأناس كان بعضهم يشغل صفحتها الأولى، و كانت يدي تطلبهم أكثر من مرّة في اليوم في هواتف عابرة للقارات و لم تبق اليوم سوى أطلالهم شواهد قبر مكتوبة كيفما اتفق حسب التسلسل الأبجدي للخذلان.ـ

يا لرقمهم الغالي ذاك كيف مات! الأرقام تموت أيضا بموت أصحابها في قلوبنا و ترخص حين يرخصون.ـ
الأرقام الحبيبة التي أصبحت غريبة عنا حدّ الأذى. الأرقام التي خانتنا و فتحت قلبها لصوت غير صوتنا، كلما وقعنا عليها في دفتر هاتفنا أحزننا التعثر بجثتها.ـ

حدث أن نظفت قبور من خانوا، و نقلت أسماءهم على مفكرة أخرى جديدة كما لو كانوا أحياء. ثم صرت أشطب أسماءهم على استحياء. اليوم تعلّمت أن أمزّق الصفحة. كلّما تقدّم بك العمر صَغُرَ دفتر هاتفك. أصبحت أكثر انفراداً و حريّة، فأنت لا تريد هاتفاً يدقّ بل هاتفاً يخفق.. و عليك ألّا تشغل الخط بل أن تشغل وقتك في انتظار الحبّ، ( و لما لا بإعادة نسخ دفترك الهاتفي) فحين سيدقّ هاتف الحبّ لن يترك لك وقتاً لشيء!ـ

ذلك أنّ مولاك الحبّ حين يحضر سيختصر كلّ الأرقام في رقم واحد، يزدحم به هاتفك و وقتك، و ستضحك حينها من استبداد الذاكرة التي كانت تحفظ رقماً هاتفيًّا من أحد عشر رقم و لا تحفظ رقماً من ستة أرقام.. هو رقمك!
لا تمضوا نصف أعماركم في فضّ الاشتباك مع جبروت الذاكرة. باشروا فوراً باقتناء دفتر جديد. اختصروا أرقامه ما استطعتم. و تذكّروا أنّ أرقاماً ما عاد يحفظها قلبكم و نسيت يدكم منذ متى لم تطلبها، لا تستحقّ أن توجد على الصفحة الأولى لدفتر هاتفكم.ـ

Thursday, March 25, 2010

سعادة



أن يتسنى لك الجلوس المريح قرب النافذة ذات يوم شتائي، فترقب حبات المطر وهي ترتطم بالزجاج في الخارج، في حين تحتسي أنت كوباً من الشاي في دفء الداخل... فهذه هي واحدة من أصل ثلاث وثلاثين لحظة من السعادة، كما أحصاها فيلسوف صيني! ولأننا في عالم مليء باللغو، ولأن الكلام العدمي بات يصم الآذان، تجد نفسك تتوجه بتقدير خاص لكل من يساعدك على اقتناص لحظة السعادة، مهما بدت صغيرة خاطفة عابرة...

ولأنك تجد نفسك تلميذاً كسولاً إزاء دروس الكراهية التي يتبرع آخرون لتلقينك إياها كل يوم وبشكل رتيب، ترى نفسك تتشبث بكل قيم الخير والجمال والمحبة...

وتتمسك بكل ذرة إيمان بأنه ووسط حصار سوء الفهم حولك، ستجد دائماً من يفهمك ويحترمك ويحبك كما أنت، وليس كما يبتغي لك الآخرون! ونجتهد مع الفيلسوف لنقول: وجوه الأطفال في الصباح مبعث على السعادة، وكذلك كلمة الشكر غير المتوقعة، أو عبارة الثناء الصادقة.

ثم إن القدرة على احتواء من لا يحبوننا سبب لسعادة ما، إذ يقول كونفوشيوس: ''دع المساوىء تعمل لمصلحتك...'' وعليه، ترى أن بعض أسباب نجاحك أو تفوقك هو توقع الآخرين لفشلك، فكما تشكل المشاعر الايجابية تجاهك حافزاً للتقدم ،تساويها في ذلك المشاعر السلبية، ولو خشية من مبالغة، لقلت إننا مدينون لكل من يحبوننا، ولكل من يكرهوننا، على السواء، بكل نجاح نحققه.

وبعد، وعلى الرغم من أنّ كلمة السعادة هي كلمة كبيرة خطيرة ليس من السهل التصدي لها ببساطة وجرأة، رغم ذلك، جعلنا الفيلسوف نشاركه الاجتهاد في البحث عن لحظاتها، لنتفق معه على أن السعادة لحظات... وليست منهجاً أو نمط حياة، وإلا لكانت قد فقدت طعمها تماماً.

بالمقابل، تجدنا نتقدم له بالإعجاب على ما قدم، لأن التصدي لإحصاء لحظات السعادة هو أمر شائك معقد، لا يقدر عليه سوى المفكرين الجريئين العميقين، أما إحصاء لحظات التعاسة فيبدو أننا كلنا فلاسفة متميزون في ذلك!
د.لانا مامكغ

لقاء




منعها كبرياؤها من ان تستشير أحداً، رغم إحساسها بالحاجة إلى نصيحة ما. بالمقابل، فقد منعت نفسها من أن تستسلم للحكاية تماماً، فكانت تجد في الأعباء والمسؤوليّات اليوميّة مهرباً من تفكيرها به... إلى أن تعود فتلتقيه، فيعاودها الشعور ذاته بأنّ فيه ما يخصّها، شخصيّة كأنّما خُلقت وتكونّت لها وحدها، ممّا يُربكها من جديد، فتمضي سارحة تقاوم شعوراً بالضعف يُغيظها ويُسعدها في آن معاً! ثمّ لتقف عند محل للأزهار طويلاً، يمكن لباقة من الورد أن تقول الكثير... وسرعان ما تهزأ من الفكرة، إذ ستبدو قفزة رعناء أمام نمط من التعامل الرسمي بينهما، خاصّة وأنّه يتحدّث معها في كل شيء، فهو رجل يتقن البحث في كل الأمور العظيمة الخطيرة ابتداءً بالمستقبل الزراعي للقطب الجنوبي... وانتهاءً بسيطرة (الأنا) في مملكة الديناصورات البائدة! وهكذا، تعود لتقف مرّة أخرى أمام دار للكتب، يمكن أن تبتاع أحد الكتب وتبعث به إليه... علّه يفهم! ولا تشعر بجدوى هذه الحركة أيضاً، فقد يقرؤه ويعجب به، أو يفتعل الإعجاب به، ثمّ يشكرها بوقار مُبدياً إعجابه بحسن اختيارها وبعقلها وحكمتها... هذه التهم التي تحاول أن تُنفيها له بكل الوسائل!

واستوقفتها ذات يوم وهي في طريقها إليه، رائحة حلوى طازجة، وفي لحظة مجنونة، دخلت المحل وقرّرت بتلقائيّة وبساطة أن تبتاع له بعضاً منها... وكانت تهمّ بدفع ثمنها حين أفاقت فجأة... لتسأل نفسها بسرعة: ماذا أفعل، ماذا سيقول عنّي، أيّة تفاهة أقترف؟ لقد بدأت أعاني من أعراض بلاهة حقيقيّة، هذا مُحتمل جدّاً، بل واضح، لا هذا مؤكّد! وهرعت خارج المحل تاركة البائع ينظر نحوها بذهول تارّة، وإلى الحلوى بذهول أشدّ تارّة أخرى.

وقرّرت في لحظة ما، أن تكفّ عن كل هلوساتها هذه، وأقنعت نفسها بأنّها لم تُخلق للمبادرات، خاصّة هذا النوع المُربك منها! قرّرت هذا وأسلمت أيّامها للرتابة من جديد، دون أن تعلم أنّه في اللحظة التي كانت تتأمّل فيها بعض الورود، كان يقلِّب هو هاتفهُ بحيرة، ويبحث جاهداً عن سبب ما يتذرّع به للاتّصال بها، وأنّه عدل عن فكرته لمّا خشي أن تُسيء فهمه...

ولم تعلم أنّه يفتعل الخوض في أحاديث شتّى كلّما التقيا، وذلك حتّى لا يترك دقيقة للصمت تفضح ارتباكه امامها! ولم تكن لديها أدنى فكرة عن حيرته في أمرها، إذ كانت تبدو له جادّة، متحفّظة، ولم يعرف كيف يمكن تخطّي هذه المسافة البسيطة المعقّدة بينها وبينه.

ومضت سنوات، والتقيا مؤخّراً، فكان أوّل ما قالته لنفسها: كان يمكن أن أعيش قصّة جميلة معه لو أنّي كنت أقلّ تردّداً...

وكان يقول لنفسه في اللحظة ذاتها: كان يمكن أن أعقد صداقة أبديّة مع هاتين العينين لو كنت أكثر جرأة! ومضيا يتحدّثان في شؤون الساعة بشكل يبدو طبيعيّاً تماماً!
د.لانا مامكغ

العبق





ربما كانت هي المرة الأولى التي تنهض فيها من الفراش باكراً دون أن ترهق والدتها بالنداءات الصباحية المتكررة.

وحين وقفت أمام النافذة لتنظر نحو الشمس مبتسمة... لم تنتبه إلى الدهشة التي ارتسمت على وجه الوالدة، دهشة ازدادت واتسعت حين استعدت هي للتوجه إلى عملها دون أن تسأل بفضول عن وجبة الغداء كما جرت العادة...

وللمرة الأولى أيضاً، وقبل خروجها، وجدت نفسها تتسلق سور المنزل لتقطف باقة صغيرة من الياسمين شاءت أن تزين بها مكتبها، ولم تنتبه إلى ابتسامة الجار المتقاعد الذي لفتت اهتمامه، ولا إلى توسلات الوالدة لها وهي ترجوها الحذر، بعد كل تلك الجلبة التي أحدثتها وهي تصر على تسلق السور كطفلة شقية! ثم خطر لها أن تذهب إلى عملها سيراً على الأقدام... فسارت قليلاً إلى أن ارتأت أن تستقل أحد التكسيات حين خشيت على الباقة من الذبول! استقلت إحدى السيارات وبصوت موسيقي قالت للسائق: صباح الخيرات... ثم وصلها من المذياع صوت فيروز في أغنية تتحدث عن القمر الذي صار أكبر... وعن العصفورة التي صارت تأكل من يدها اللوز والسكر... ووصل صوتها إلى السائق تدندن مع الأغنية وهي سارحة تحدق من النافذة، فأجّل سؤاله عن وجهتها إلى أن انتهت الأغنية، وكرر السؤال... ولم تجب... فتوقف جانباً للفت انتباهها، وسألها مرة أخرى، فأجابته أخيراً، ليوصلها إلى حيث قالت وهو يخفي ابتسامة بصعوبة! عند المبنى حيث تعمل، حيّت الحارس بحرارة، وكذلك موظف الاستقبال، وألقت تحية الصباح على كل الموظفين بمودة استثنائية، وجلست في مكتبها وهي تقول لمن حولها دون أن تنظر نحوهم: يوم جميل هه؟. ولم يهمها أن تسمع الإجابة، ما شغلها هو أن تجد آنية مناسبة لباقة الياسمين! ومضى نهارها بسرعة، وحين عادت إلى المنزل، وجلست لتناول الغداء، سرحت مرة أخرى، ولم تسمع الوالدة وهي تسألها عن سبب إحجامها عن تناول الطعام...

ولم تسمع نفسها وهي تجيب بجمل متقطعة مبهمة غير مفهومة! في الليل، جلست في فراشها تفكر وتقول لنفسها: جميل أن أحداً ممن حولي لم ينتبه... رائع أنهم لا يعرفون شيئاً... بعض الأحداث الساحرة التي تحدث لنا... يجب أن يبقى سراً .

واستغرقت في النوم أخيراً دون أن تدري أن الوالدة، والجار المتقاعد، والسائق، والحارس، وموظف الاستقبال، وكل الزميلات... عرفوا أنها تعيش حالة حب

د.لانا مامكغ

حكاية خريفية


كان قد صحا يومها على غيوم داكنة تغطّي السماء مبشّرة بشتاء واعد... لم يهتم للأمر كثيراً، فخرج متوجّهاً إلى عمله لتفاجئه الأمطار في الطريق. كانت أمطاراً غزيرة غير متوقّعة في فصل الخريف، أربكت الناس والمُشاة والسائقين، ولم تمض دقائق حتّى كانت السيول قد جرت وامتلأت الشوارع بالمستنقعات. مع ذلك لم يبد على ملامحه أي اهتمام، كان قابعاً في سيّارته ينظر إلى الساعة حيناً، ويتأفّف حيناً آخر حتى لمحها... كانت تقف على الرصيف المقابل، وجد نفسه ينتزع نظره انتزاعاً عنها ليهمّ باستئناف سيره، حين رأى أحدهم يقود سيّارته أمامها بسرعة، فيرشّها بمياه الأمطار المتجمّعة على الشارع ويمضي دون أن يلتفت، ورآها تنحني محاولة إزالة آثار المياه بكفّيها دون جدوى، ثمّ لتنظر باتّجاه السائق في حنق، وتتلفّت حولها في حيرة...

تمنّى لو يساعدها، لكن لم يدر كيف، وبقي في مكانه ينظر نحوها بتعاطف وذهول إلى أن أفاق على السائقين وراءه ينبّهونه ليتحرّك بعد أن كان قد عطّل السير كلّه! في اليوم التالي لمحها تقف في المكان نفسه، فخفق قلبه باضطراب غير معهود...

ومرّت الأيّام وهو يرقبها بصمت... ويقمع قلبه بصمت وصعوبة، حتّى قرّر التعرّف إليها أخيراً.

تمّ التعارف، ونسج القدر قصّة حبّه الأوّل معها، لكن لسبب أو لآخر حالت الظروف دون ارتباطه بها، ودارت رحى الأيام حتّى وجد نفسه متزوّجاً وأباً ورب أسرة مُثقلاً بالأعباء، ومحاصراً بالرتابة! لكنّه في كلّ خريف، وعند زخّة المطرالأولى، يستسلم لنشوة غريبة، ويقود سيّارته بتمهّل زائد أمام الآخرين الواقفين على الأرصفة، ويعلن سخطه على كلّ سائق يسرع بالقيادة في مستنقعات الشوارع، في الوقت نفسه، يجد أنّه يحمل شيئاً من الامتنان لسائق ما في صباح ما! رغم ذلك، يظلّ يعلن غضبه على مثل تلك الممارسات، ويبلغ به انفعاله إلى درجة الاتّصال بالبث المباشر في الإذاعة لتوجيه انتقاد لأولئك السائقين... فيرد عليه المذيع بتهذيب، ويثني على رأيه، ويشكره على اللفتة الحضاريّة! فالمذيع لا يعرف، ولا أحد يعرف أو سيعرف... وستظل حكايته مع الخريف والمطر سرّاً صغيراً من جملة أسرار كثيرة نخبّئها جميعنا في عمق أرواحنا لتشيع في أيّامنا بعض الدفء بين الحين والآخر، وشيئاً من العذوبة... وإطلالة على بهجة هاربة!
د.لانا مامكغ
__________________

متاهة


لم يحدث أن كتبت له رسالة حب... ولم يحدث أن سرح في عينيها، أو فكّر في تقييم جمالها، ولم تشهد أيّة زاوية في أي مطعم هاديء لقاء لهما، ولم تؤرق مكالمتهما المقتضبة أجهزة الهاتف، ثمّ لم يحدث أن تبادلا أيّة هدايا، سوى بعض الكتب بين الحين والآخر، حيث كان كل منهما يرهق الآخر بالسؤال عنها فيما إذا تأخّر في ردّها! وكثيراً ما احتدم النقاش بينهما على أمور هامشية حيناً، أو مسائل جادة حيناً آخر، وكانت ترى أنّ له أفكاراً سطحيّة جدًّا في بعض المواضيع، وكثيراً ما اتّهمها بالسخف حين كانت تحتدّ في دفاعها عن رأيها في قضيّة ما.

وكثيراً ما أقرضته بعض المال في نهايات الشهر دون أن يطلب ذلك منها مباشرة فقد كانت على علم بأيّام بؤسه وبأيّام نعيمه، وكثيراً ما ساندها مادياً حين كانت تداهم بمناسبة عائليّة أو اجتماعيّة تستدعي الإهداء ثمّ كانا يصفيان ديونهما لبعضهما بعضاً بشكل آلي وبعد حسابات دقيقة أحياناً...

فيما كانا ينسيان ديوناً أخرى بينهما أحياناً أخرى! وكانت تغيب، فلا يزعجه غيابها، وكان يسافر، ولم يحدث أن انتظرت عودته، ولم يكن وجودهما معاً في أي مكان يثير ريبة أحد، ولا يفتح قابليّة أكثر الناس ثرثرة على الهمس في شأنهما.

كان يرى فيها زميل عمل مريحاً تصادف أنّه (امرأة)، وكانت ترى فيه زميلة وصديقة، تصادف أنّها (رجل).

وشاءت الظروف أن يتزوّج... وشاءت المناسبة أن تتعرّف زوجته بها، فبات ينام ويصحو على حديث زوجته عنها... إمّا مباشرة وإمّا بألف أسلوب مبطن، ولم يدرك أنّها كانت قد صمّمت على أن تبعده عن هذه المخلوقة بأيّة وسيلة، وذلك من باب الحفاظ على ما يسمّى بمملكتها الصغيرة! وشاءت الظروف أن تتزوّج هي بدورها، فجنّ جنون الزوج في الشهر الأول حين كان يسمعها تردّد بعض آرائه في بعض القضايا العامّة، وتذكر اسمه بلا ألقاب...

ومضى يحيطها بملاحظات تتعلّق بشكلها وهيئتها كلّما لمحها تخرج إلى العمل، وأعاد عليها مرّات عديدة رغبته في أن تطلب نقلها من المكتب الذي يعمل فيه صاحبنا، ولم تنفع تأكيداتها على أنّه زميل، مجرّد زميل... ولم تنفعها ثورتها وغضبها أمام رنّة الشك والاتّهام في أقواله. كان مصراً على أن يبعدها عنه... كان حازماً في موقفه هذا، من منطلق الحفاظ على سمعته وشرفه! ومضت شهور طويلة ثقيلة على كليهما، حتى فوجيء صاحبنا بها تطلب النقل إلى مكتب آخر، ولاحظ اضطرابها وارتباكها وهي تقدّم تبريرها للانتقال، مع هذا ترك جزءاً في داخله يستريح، وهيّأ نفسه لنقل الخبر السعيد إلى الزوجة الحريصة! إلا أنّ جزءاً آخر فيه، كان قد أفاق على جملة ميزات لهذه المرأة لم يكن قد التفت إليها يوماً، ولم يدركها إلا من خلال حديث زوجته المتواصل عنها، وغيرتها الشديدة منها، فترك نفسه لإحساس غامض لم يستطع تفسيره، شعور لم يعهده من قبل، شعور يشبه الافتقاد لها...

أمّا هي، فإنّها أمام تعنّت الزوج العزيز، وشكوكه المؤلمة التي ألقاها اعتباطاً... فقد باتت تشارك صاحبنا المشاعر ذاتها!
د.لانا مامكغ